بعد اليونيفيل.. إسرائيل توسع نفوذها وحزب الله يعيد الانتشار

تكشف معلومات خاصة عن سباق ميداني وأمني متسارع في جنوب لبنان على المواقع التي تستعد قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» لإخلائها، وسط تحركات إسرائيلية لتوسيع نطاق سيطرتها حول عدد منها قبل بدء الانسحاب، في مقابل مساعٍ من الجيش اللبناني لضمان انتقال المواقع إليه، وتحرك سياسي وميداني لحزب الله لمنع حلول قوة أجنبية محل القوات الدولية.
وقال مصدر أمني لبناني إن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في المنصوري والخيام، وعلى محاور زوطر ووادي السلوقي ودير سريان، ترتبط باقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل»، مشيرًا إلى أن إسرائيل «تسابق الانسحاب لتعديل الخريطة على الأرض» وتوسيع ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، بما قد يضع بعض المواقع التي يفترض أن يتسلمها الجيش اللبناني ضمن نطاق السيطرة الإسرائيلية.
وأضاف المصدر أن الهدف يتمثل في إنشاء «حزام تفاوضي» أوسع قبل تثبيت ترتيبات المرحلة التي ستلي «اليونيفيل»، الأمر الذي قد يجعل تسليم بعض المواقع مباشرة إلى الجيش اللبناني مرتبطًا بتفاهمات مسبقة مع إسرائيل.
أكثر من نصف مواقع اليونيفيل
وبحسب المعلومات، بات أكثر من نصف مواقع «اليونيفيل» يقع في مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، فيما قد يواجه الجيش اللبناني صعوبات في الوصول إلى عدد منها بعد انسحاب القوات الدولية.
وأشار المصدر إلى أن «اليونيفيل» تتبادل بالفعل مع الجيش اللبناني معلومات بشأن المناطق الحساسة وآليات التعامل معها بعد انتهاء مهمتها.
وتوجد القوات الإسرائيلية، وفق المصدر، في نحو 30 موقعًا عسكريًا في الجنوب، بينها ثمانية مواقع محصنة، فيما أُنشئت ثلاثة مواقع محصنة جديدة في الخيام ومارون الراس وميس الجبل. كما رُصد توسع تدريجي خارج «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل من جانب واحد، شمل عمليات هدم وتجريف وقطع طرق.
ويرى المصدر أن القضية لا تتعلق بالمباني التابعة لـ«اليونيفيل» بقدر ارتباطها بالسيطرة على الطرق والمرتفعات ومداخل المواقع. فوجود القوات الإسرائيلية في محيط موقع دولي قد يعرقل وصول الجيش اللبناني إليه بعد إخلائه، ويحوّل عملية التسليم إلى ملف يحتاج إلى ترتيبات وتفاهمات ميدانية.
وظهرت مؤشرات على ذلك في دير ميماس، حيث أدى تقدم إسرائيلي إلى احتكاك مع نقطة للجيش اللبناني، قبل معالجة الموقف عبر آليات التنسيق. وقال مصدر أمني في حينه إن إحداثيات «الخط الأصفر» تبدو وكأنها تتغير بصورة مستمرة.
حزب الله يتحرك
في المقابل، يجري حزب الله، بحسب المصدر الأمني، اتصالات سياسية لضمان أن يكون الجيش اللبناني الجهة الوحيدة التي تتسلم المواقع التي ستخليها «اليونيفيل»، مع رفض احتمال انتقال أي منها إلى قوة أوروبية أو متعددة الجنسيات قد تنتشر في الجنوب ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة.
ووفق المصدر، لا يعترض الحزب على انتقال المواقع إلى الجيش باعتباره مؤسسة لبنانية، لكنه يبدي حساسية تجاه احتمال تمركز وحدات أجنبية جديدة في مواقع تشرف مباشرة على طرق وممرات يستخدمها، أو ربط هذه النقاط بمنظومات استطلاع ومراقبة غربية.
وتأتي هذه المخاوف في ظل مناقشة مقترح أوروبي لتعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية اللبنانية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، إضافة إلى أمن الحدود والموانئ والتدريب، فيما تعمل فرنسا وإيطاليا على بلورة ترتيبات تختلف عن نموذج «اليونيفيل» الحالي.
تغيير مسارات شمال الليطاني
وبحسب المعلومات، لم تقتصر استعدادات حزب الله على التحرك السياسي، إذ بدأ الحزب، وفق المصدر، مراجعة بعض طرق الحركة ونقل المعدات والتخزين شمال الليطاني، تحسبًا لاحتمال إنشاء نقاط مراقبة جديدة مرتبطة بالجيش اللبناني أو بالقوة التي قد تقدم له الدعم بعد خروج «اليونيفيل».
وتشمل المراجعة، وفق المصدر، الطرق التي يمكن مراقبتها من المرتفعات والمواقع التي قد تصبح مكشوفة في حال نشر تجهيزات استطلاع حديثة، إلى جانب تقليل الاعتماد على مسارات ثابتة استخدمت خلال السنوات الماضية.
ويعكس ذلك، بحسب المصدر، تعامل الحزب مع مرحلة ما بعد «اليونيفيل» باعتبارها تغييرًا في البيئة الاستخباراتية والأمنية للجنوب، وليس مجرد استبدال القوات الدولية بقوات أخرى.
الأرض تتحول إلى ورقة تفاوض
ويرى الخبير العسكري والعميد المتقاعد منير شحادة أن أهمية السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات لا تقتصر على قدرتها على المراقبة، في ظل امتلاك إسرائيل وسائل استطلاع متقدمة تشمل الطائرات المسيّرة والأقمار الاصطناعية، وإنما تكمن أيضًا في إمكانية تحويل السيطرة الميدانية إلى واقع جغرافي وورقة تفاوضية.
ويشير شحادة إلى وجود فرق بين القدرة على مراقبة منطقة واستهدافها، وبين السيطرة الفعلية عليها وعلى طرق الوصول والمرتفعات المحيطة بها، موضحًا أن السيطرة البرية تتيح تثبيت منظومات مراقبة واتصالات وتقييد حركة الطرف الآخر، إضافة إلى إنشاء عمق أمني لا توفره وسائل الاستطلاع الجوية وحدها.
كما يرى أن توسيع الانتشار الإسرائيلي يزيد الحاجة إلى تأمين الطرق والأجنحة ونقاط الإشراف، ما يجعل المرتفعات والممرات عنصرًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
وتجعل هذه المعطيات مواقع «اليونيفيل» جزءًا من معركة أوسع من مجرد تسليم منشآت عسكرية، إذ ينص قرار مجلس الأمن الأخير المتعلق بولاية القوة على انسحاب إسرائيل إلى شمال الخط الأزرق ورفع المناطق العازلة، بالتوازي مع انتشار السلطات اللبنانية وبسط سيطرة الدولة.
لكن التطورات الميدانية تتحرك بوتيرة مختلفة عن المسار الدبلوماسي، ومع اقتراب نهاية مهمة «اليونيفيل»، تستعد الأطراف المعنية للمرحلة المقبلة: إسرائيل عبر تعزيز السيطرة على محيط عدد من المواقع، والجيش اللبناني عبر السعي إلى تسلمها باعتبارها مواقع تابعة للدولة، فيما يتحرك حزب الله لمنع تحولها إلى نقاط مراقبة أجنبية جديدة قد تؤثر في طرق حركته شمال الليطاني.




